رفيق العجم

مقدمة 12

موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين

طريقه عبر العقائد ، ودافع عنها بالحجاج العقلي والنهج المجرد الفكري . وسار الثاني بضوء إيجاد الطريق الذي يعقد الرباط بين المستجدات ونصوصها السمعيّة المسلّمة إيمانيّا ، ابتغاء إعطاء الأحكام في الحوادث الطارئة وتقديم الفتوى الصالحة . وإذا كان علم أصول الفقه قد خرّج المبادئ والأسس والأدلة والمعايير التي يسير على هديها الفقيه والمفتي والمجتهد ، فإن هذا العلم قد تبلورت معه وعنده الكثير من الأبحاث الفكرية ، وتمخّضت عن ذلك عدة مسائل فلسفية تعالج الأسباب العليا ومبادئ الأشياء ، أو ما سمّيت في العصر الراهن الصور الماورائية أو القبلية المتحكّمة بعالمي التصور والحكم ، أمثال : مباحث العلة والجوهر والجبر والحرية ، والحلال والحرام والإباحة . وتباين الرأي والموقف فيها وتشعّب شعبا شتى تبعا للفرق والمذاهب ، لكنها جميعها انجذبت ضمن دائرة القرآن والسنّة وفي حقل معانيهما . كما وأن مباحث هذا العلم وعطاءاته تشكّلت في دائرة اللغة العربية وداخل إطارها البنائي ، بما تحمله من طابع خاص صاغته الذهنية العربية والساميّة عامة . وأدرك العرب والمسلمون ذلك فاعتبروا تمايز العلوم في نفسها إنما هو بتمايز الموضوعات . فصدّروا العلم بما عرف عندهم بالمبادئ والمقدمات . فكانت معرفة العلم بمعرفة حدّه تمييزا للمفهوم ، وبمعرفة الموضوع تمييزا للذات . والملفت أن للفظ العربي الواحد والمصطلح الواحد أحيانا عدة مفاهيم وكثرة من المعاني ، حتى تكاد اللفظة الواحدة تضج في تشعّب دلالاتها ، وهذا الأمر يسري في معظم اللغات إلا أن العربية تميّزت فيه لقدمها من جهة ولمواكبتها العلم السائد وإبداعها فيه إنسانيا على امتداد عشرة قرون تقريبا ، إذ كانت على الأرجح عبارة هذا العلم وبيانه الواضح . ولقد قدّم علم أصول الفقه غنى للعربية في مجال النحو وفي مضمار التصورات المجرّدة وفي ميدان المعاني التشريعية والحقوقية كما في حقل الحياة والمعاش ، علاوة على الجانب الحجاجي والعقائدي الإيماني . ومن ثمّ رأى المحدثون أن من وظائف اللغة الوظيفة المعرفية التي تستخدم اللغة فيها كأداة تشير إلى وقائع وأشياء موجودة في العالم الخارجي ، ولا يتعدّى دور اللغة غير هذا التصوير لتلك الوقائع والأشياء . ولعلّ هذه الوقائع في علم أصول الفقه هنا هي تلك المعاني الغزيرة التي ابتكرت لتوفي حق هذا العلم الذي يدور في إطار الميدان المعاش من زواج وإرث ومعاملات مع العبادات ، وفي ميدان العقيدة وتصور الماورائيات ، وفي مجال الميدانين معا تحوّلت الوقائع من وقائع محسوسة إلى وقائع